الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

دراسة بحثية على فوائد الصوم





 دراسة بحثية على فوائد الصوم 

عقد في العام 1994 مؤتمر في مدينة الدار البيضاء في المغرب عن فوائد الصوم في شهر رمضان المبارك، قُدّمت فيه أكثر من خمسين ورقة بحثية لعلماء مسلمين وغير مسلمين من مختلف أنحاء العالم، أجمعت كلها على أن للصيام منافع صحية ونفسية عديدة ومتنوعة. 

ومن أبرز الفوائد الطبية لصيام رمضان أنه راحة للجهاز الهضمي، ويساعد على نقص الوزن باعتدال، وتحسين مستويات كوليسترول الدم ويريح الجهاز الكلوي إضافة للفوائد التربوية والنفسية.

وفيما يلي عرض للتأثيرات الحيوية والفسيولوجية للصيام في شهر رمضان بناء على ما توصلت إليه عدة دراسات عربية وإسلامية عديدة للتعريف بأبرز فوائد الصيام للجسم.

تحسين مستويات الكوليسترول
أظهرت دراسة عربية أجريت في دبي أن تغييرات واضحة تظهر على أنماط وعادات تناول الطعام خلال شهر رمضان المبارك، وهي تغييرات قد تؤدي إلى تغيرات في الجسم وقد تؤثر أيضاً في الصحة.

وقد ألقت الدراسة، التي نفذها فريق من أطباء القلب يترأسهم الدكتور عمر الحلاق، رئيس قسم العلاج التدخلي لأمراض القلب في المستشفى الأمريكي بدبي بالتعاون مع عدد من المتطوعين، الضوء على موضوع الصيام وتناولت التغيرات في مستوى الكوليسترول (الذي يعد مؤشراً رئيساً وأحد عوامل المخاطر المرتبطة بأمراض القلب) خلال شهر رمضان. وقد تم عرض نتائج الدراسة خلال المؤتمر العالمي لأمراض القلب الذي انعقد في دبي.

وشملت الدراسة 37 متطوعاً بالغاً بشكل طوعي جميعهم قادرون على الصيام (لم يظهروا أية مؤشرات تمنعهم من الصيام) خلال شهر رمضان. وقد تم قياس كل من مؤشر كتلة الجسم (BMI) ومعدل ضغط الدم (BP) ومستوى الدهون (فحص الدم الذي يقيس مستوى الكوليسترول فيه) قبل أسبوعين من بدء شهر رمضان. وقد تم إجراء هذه الفحوص مرة أخرى خلال الأسبوع الرابع من شهر رمضان، ثم مرة ثالثة بعد ثلاثة أسابيع على انقضاء الشهر.  وتجدر الإشارة إلى أن هناك نوعين من الكوليسترول: أحدهما هو كوليسترول البروتينات الدهنية منخفضة الكثافة أو الكوليسترول السيء واختصاره (LDL)، والنوع الثاني هو كوليسترول البروتينات الدهنية عالية الكثافة أو الكوليسترول الجيد، واختصاره (HDL).

ومن الممكن أن يتراكم الكوليسترول السيئ (LDL) على جدران الشرايين والأوعية الدموية وهو ما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب (وهو السبب الذي من أجله يعد هذا النوع الكوليسترول السيئ. فكلما انخفض مستوى كوليسترول (LDL) كانت مخاطر الإصابة بأمراض القلب أقل).  أما الكوليسترول عالي الكثافة (HDL)، أو الكوليسترول الجيد، فكلما ارتفعت مستوياته في الدم كانت مخاطر الإصابة بأمراض القلب أقل. والسبب هو أن كوليسترول (HDL) يحمي من أمراض القلب عن طريق إخراج الكوليسترول السيئ من مجرى الدم ومنع تراكمه في الشرايين.

وتوصلت الدراسة بالنسبة إلى أن معدل مستوى كوليسترول (LDL) انخفض أثناء الصيام في رمضان، بينما ارتفع معدل مستويات كوليسترول (HDL)، وهو ما نتج عنه تحسن واضح في نسبة الكوليسترول عالي الكثافة/الكوليسترول منخفض الكثافة على الرغم من انخفاض مؤشر كتلة الجسم (BMI).

وفي تعليقه على الدراسة قال الدكتور عمر الحلاق: "تتناول دراسة دولة الإمارات تأثيرات الصيام خلال شهر رمضان في مستويات الكوليسترول في الدم، وتوفر دليلاً على أن التغيرات في عادات وأنماط تناول الطعام خلال هذا الشهر الفضيل لها في الواقع أثر إيجابي في مستويات الكوليسترول، على الرغم من وجود زيادة في مؤشر كتلة الجسم ضمن عينة الدراسة. وتحمل هذه الدراسة أهمية خاصة في المنطقة التي تشهد ارتفاعاً في نسب الإصابة بالبدانة والسكري. وقد حققت نتائج هذه الدراسة قبولاً جيداً جداً خلال المؤتمر العالمي لأمراض القلب الذي انعقد مؤخراً في دبي".

وأضاف الدكتور الحلاق: "من الضروري قياس مستوى الكوليسترول مرة كل خمس سنوات على الأقل بالنسبة للبالغين الذين تتجاوز أعمارهم 20 سنة، وبشكل متكرر لدى الذكور فوق عمر 35 سنة والإناث فوق عمر 45 سنة".

وفي دراسة ماجستير عن تغذية الإنسان أعدها معز الإسلام عزت فارس من كلية الزراعة في الجامعة الأردنية خلص إلى أن معظم الدراسات التي اجريت على الصائمين حول كوليسترول الدم وبروتينات الدم الدهنية تشير إلى ارتفاع طفيف في محتوى الدم من الكوليسترول الكلي في نهاية شهر رمضان، وقد نسبت الزيادة إلى عاملين أساسيين:

 -السبب الغذائي، حيث أصبح من المعروف أن شهر رمضان يرافقه تنوع الأطباق المتناولة من الطعام وزيادة تناول الدهون والسكريات خلال فترة الإفطار، وبالأخص عند وجبة الإفطار الرئيسة وبدرجة أقل عند وجبة السحور، وقد أشارت الدراسة، التي أجريت على عينة من طلبة جامعة حلب في سوريا خلال شهر رمضان، إلى أن معدلات الكوليسترول قد انخفضت في النصف الأول من شهر الصوم، حينما تناول الطلبة طعاماً قليل الدهن (%8.8 من مجموع الطاقة اليومية)، وارتفعت هذه المعدلات حينما تناول الطلبة طعاماً غنياً بالدهون خلال وجبتي الإفطار والسحور (%51.2 من مجموع الطاقة اليومية) في النصف الثاني من شهر الصيام.

-أما السبب الثاني فقد أجمع عدد من الباحثين في نتائجهم لبحوث أجريت على أصحاء ومرضى على أنه كلما ازداد عدد وجبات الطعام المتناولة في اليوم الواحد انخفض مستوى الكوليسترول في الدم، وكلما نقص عدد وجبات الطعام ارتفعت نسبة الكوليسترول، علماً بأنه في الحالتين كانت السعرات الحرارية ثابتة من حيث كميتها، وهذه النتائج قد تفسر الاتجاه إلى الارتفاع في محتوى الدم من الكوليسترول عند الصائمين، ذلك لأنهم في الأغلب يعتمدون على وجبة رئيسية واحدة وهي وجبة الإفطار، وتليها وجبة السحور، ومن هنا يمكننا أن نستنتج الأهمية الصحية والطبية لوجبة السحور، فبالإضافة إلى أنها تقوي الصائم وتعينه على ممارسة أعماله خلال النهار، فإنها تساعد على التقليل من حجم الزيادة في محتوى الدم من الكوليسترول الذي قد تؤدي زيادته بشكل كبير إلى بعض الآثار الجانبية والسلبية على الصحة، وخاصة على صحة وسلامة القلب والشرايين، وهذا مصداق لما أخبرنا عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: "تسحروا فإن في السحور بركة".

وفيما يتعلق بالبروتينات الدهنية، فهي تنقسم إلى نوعين رئيسيين: البروتينات الدهنية عالية الكثافة وهي مصدر للكوليسترول النافع، والبروتينات الدهنية منخفضة الكثافة وهي كذلك مصدر لما يسمى بالكوليسترول الضار.

فقد أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت في الأردن أنه قد طرأ ارتفاع كبير وملحوظ على محتوى الدم من الكوليسترول النافع وبنسبة تصل إلى 31.9% مقارنة مع محتوى الدم لهذا النوع من الدهون بعد شهر من انتهاء شهر رمضان (بناء على أن الجسم يرجع إلى وضعه الطبيعي الذي كان عليه قبل الصيام بعد مرور شهر على صوم رمضان)، لأن كل التغيرات تزول بعد شهر واحد، ما عدا وزن الجسم، وهذا بدوره سيعمل على تقليل نسبة الكوليسترول الكلي إلى الكوليسترول النافع وتقليل نسبة النوع الضار إلى المفيد في الدم، ومن المعروف من الناحية الطبية أنه كلما انخفضت تلك النسب فإن ذلك سيقلل من الإصابة بأمراض القلب وانسداد الشرايين، لما للنوع النافع من دور في إزالة الكوليسترول الضار المترسب على جدار الأوعية الدموية ونقله إلى الكبد لتمثيله هناك.





تأثير الصيام في الوزن
تشير الدراسات التي أجريت على مجموعات من الصائمين أن وزن الجسم قد تغير في نهاية شهر رمضان على شكل زيادة أو نقصان في الوزن مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل الشهر أو بعده، بنسبة تصل إلى%3.6- و%2.4+ كمعدل للنقصان والزيادة على التوالي.

ومن الأسباب التي يعتقد أنها تؤدي إلى زيادة الوزن تناول كميات كبيرة من الحلويات الغنية بالدهون والسكريات خلال فترة الإفطار، إضافة إلى الإفراط في تناول الطعام بعد فترة الصيام، كما تعزى هذه الزيادة إلى بعض الممارسات الخاطئة لدى بعض الصائمين والمتمثلة بكثرة النوم والجلوس وقلة العمل، خلافاً لما يجب أن يكون عليه حال المسلم من العمل والعبادة خلال الشهر الكريم.

أما نقصان الوزن وهو ما أشارت إليه معظم الدراسات، ونسبته أكبر من نسبة الزيادة في الوزن (3.6- إلى 2.5+ %)، فهو يختلف أيضاً باختلاف الوزن الأصلي والجنس وطبيعة العمل والممارسات الغذائية، فمن خلال دراسة أجراها الأستاذ الدكتور حامد التكروري من الجامعة الأردنية على ثلاث مجموعات مختلفة الوزن، هي مجموعة مفرطي الوزن ومجموعة المقارنة (ذوي الوزن الطبيعي) ومجموعة ناقصي الوزن، أظهرت النتائج أن نسبة الانخفاض في الوزن كانت للمجموعة الأولى (مجموعة مفرطي الوزن) أكبر من نسبة الانخفاض في المجموعات الأخرى (2.62 كغم للمجموعة الأولى، 2 كغم للمجموعة الثانية، و0.64 للمجموعة الثالثة)، وقد عزى الباحث ذلك التباين في نسبة الفاقد من الوزن إلى عوامل عدة، منها:

-أن معدل التمثيل الأساسي، وهو أحد مقاييس الطاقة في جسم الإنسان، يكون أعلى في حالات الوزن الزائد عما هو عليه في حالات الوزن الطبيعي والوزن المنخفض.

-أن عمليات الاستقلاب للبروتين داخل الجسم تكون أعلى عند مفرطي الوزن ممن سواهم.

-ان الأفراد المصابين بزيادة الوزن يستهلكون الطاقة المخزونة في الجسم (على شكل أنسجة دهنية غالباً) بدرجة أكبر مما عند الأفراد الطبيعيين، وهذا بدوره يجعل كمية الوزن المفقود أكبر في نهاية شهر الصوم للأفراد زائدي الوزن عن الأفراد الآخرين.

وذكرت الدراسة أن هذا الاختلاف في الوزن المفقود يفيد أكثر ما يفيد الأفراد المصابين بالسمنة وزيادة الوزن، حيث يساعدهم ذلك على التخلص من الوزن الزائد، وبالتالي التخفيف من حدة مرض السمنة والتقليل من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة به مثل أمراض القلب والشرايين و ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى والمرارة والنقرس وغيرها من الأمراض الخطرة الملازمة لمرض السمنة.

وقد أكدت دراسة علمية نشرت في عام 1993 أن انقاص الوزن بمقدار 4.5 كغم كان كافياً لخفض ضغط الدم عند المصابين بارتفاع ضعيف أو متوسط في الضغط إلى المستوى الطبيعي.

كما أظهرت الدراسة أن معظم النقصان الذي طرأ على وزن الجسم قد حدث في النصف الأول من شهر رمضان، حيث كانت نسبة النقصان في النصف الأول %67 و%70 من الوزن الكلي المفقود للمجموعتين الأولى والثانية على التوالي، وتشير بعض الدراسات إلى أن معدل الفقد في الوزن خلال النصف الأول من الشهر راوح ما بين %56 و%81.

وبينت الدراسة أن الانخفاض في وزن الجسم يتباين تبعاً للجنس، حيث كان الانخفاض في الوزن عند الصائمين الذكور أعلى منه عند الإناث، بمقدار 0.34 كغم، أي بنسبة %18.18 لمصلحة الذكور، وهذا الأمر يتغير تبعاً للطبيعة المعيشية والاجتماعية لأفراد المجتمع، فقد أظهرت دراسة أجريت في ماليزيا على مجموعة من النساء الماليزيات المسلمات أن نسبة الفقد في الوزن كانت عند النساء أكثر منها عند الرجال.

ويمكن تفسير هذا التغير في الوزن إلى أسباب أهمها:
 -نقص الطاقة الغذائية المتناولة: وهي أهم عامل في نقصان وزن جسم الصائم، إذ إن كمية السعرات الحرارية المتناولة يومياً خلال فترة الإفطار تحدد نسبة الفقد في الوزن، ففي إحدى الدراسات، انخفض معدل وزن الجسم لمجموعة من الصائمين إلى %3.6 من وزنهم قبل شهر الصوم، وذلك لانخفاض مقدار السعرات الحرارية اليومية المتناولة بنسبة %22.4 مقارنة بفترة ما قبل الصوم. ومعروف أن بعض الصائمين قد يزداد وزنهم مع نهاية شهر رمضان بسبب تناولهم كميات من السعرات الحرارية تفوق حاجة أجسامهم، خصوصاً أن شهر رمضان يتميز بتنوع وكثرة أصناف الطعام في وجبتي الافطار والسحور.

-نقص السوائل: تشير إحدى الدراسات التي أجريت على مجموعة من الصائمين إلى أن معدل تناول الماء والسوائل قد انخفض خلال شهر رمضان بشكل كبير عما كان عليه الحال قبل شهر الصيام، حيث انخفض معدل تناول السوائل من 3.9 لتر/ اليوم إلى 2.25 - 2.50 لتر/اليوم خلال الشهر، ويؤدي هذا الانخفاض في كمية السوائل المتناولة إلى تغيير في التوزيع الطبيعي للسوائل داخل الجسم أو ما يسمى بتوازن السوائل، الذي يتركز في الأسبوعين الأولين من شهر رمضان، ويستمر حتى بداية الأسبوع الثالث من الصيام حيث يتم تعديل هذا الخلل أو الاضطراب (الناشئ عن الفقد المفاجئ للسوائل داخل الجسم) خلال الأسبوع الثالث، وذلك من خلال عدد من الآليات التي يقوم بها الجسم للحفاظ على محتوى وتوازن السوائل داخله، مثل تقليل كمية البول وزيادة تركيزه من خلال زيادة امتصاص أملاح الصوديوم داخل الكلى، وتقليل فترة التبول في كل مرة، وذلك للحد من التأثير السلبي لنقص السوائل المتناولة. وبالرغم من التأثير السلبي لاختلال توازن السوائل داخل الجسم (بسبب انخفاض كمية السوائل المتناولة والتبول)، فإن له جانباً صحياً إيجابياً، حيث يعتقد أنه مسبب أساسي ورئيسي لنقصان الوزن خلال تلك الفترة (وهي النصف الأول من رمضان)، فقد أثبتت العديد من الدراسات أن نقص الوزن خلال تلك الفترة يعزى أساساً إلى هذا العامل، كما أن لدرجة حرارة ورطوبة الجو ودرجة الجهد البدني المبذول من قبل الصائم دوراً مهماً في تحديد درجة جفاف الجسم خلال الصيام.

-الطاقة المصروفة: ويتم هذا من خلال الجهد البدني المبذول في إنجاز الأعمال اليومية، إذ تزداد نسبة الوزن المفقود في نهاية الشهر بزيادة الطاقة المصروفة، حيث تترافق الزيادة في الجهد مع استهلاك كميات إضافية من الطاقة المخزونة في الجسم (التي تكون أساساً على شكل انسجة دهنية). ففي الدراسة التي أجريت في ماليزيا تبين أن النسوة اللاتي شاركن في الدراسة فقدن وزناً أكثر خلال شهر رمضان بالرغم من أنهن كن يتناولن سعرات حرارية أكثر من الذكور خلال الشهر، والسبب في ذلك أن هؤلاء النسوة كن يقمن بأعمال المنزل خلال ساعات النهار، بينما تمتع الرجال بفترة راحة أطول خلال فترة الصيام.

الجليسيريدات الثلاثية
أظهرت العديد من الدراسات أن معدلات الجليسيريدات الثلاثية في الدم تميل إلى الانخفاض بشكل طفيف خلال شهر رمضان، كما أظهرت دراسات أخرى أن معدلات الجليسيريدات الثلاثية قد زادت خلال هذه الفترة، ويرجع هذا التغير بشكل أساسي إلى محتوى الأغذية المتناولة خلال فترة الإفطار من المواد السكرية والنشوية (الكربوهيدرات)، حيث إن الزيادة في تناول الأغذية الغنية بهذه المغذيات ترتبط بشكل وثيق مع الزيادة في محتوى الدم من هذا النوع من الدهون ولكن بسبب انخفاض محتوى الطاقة المتناولة خلال شهر رمضان سواء من المصادر الكربوهيدراتية أو الدهينة بالنسبة لما قبل شهر الصوم فإن معدلات الجليسيريدات الثلاثية تميل إلى الانخفاض مع نهاية الشهر، ومن الأدلة على ذلك انخفاض معدلات الأوزان بشكل عام خلال هذا الشهر (كما أشرنا إلى ذلك سابقاً) التي تعكس انخفاضاً في محتوى الطاقة المأخوذة الأمر الذي سيقلل حتماَ من محتوى الدم من هذه الدهون.


التغيرات في محتوى الدم من سكر الجلوكوز
لاحظ الباحثون الذين أجروا فحوصاً على محتوى الدم من سكر الجلوكوز أن مستوى هذا السكر يميل إلى التغير بشكل طفيف وغير ملحوظ خلال شهر رمضان سواء بالزيادة أو النقصان، وذلك تبعاً لطبيعة الأغذية المتناولة خلال فترة الإفطار وخصوصاً فيما يتعلق بمحتوى الأغذية من الدهون والسكريات، فقد لاحظ أحد الباحثين ان لمحتوى الأغذية من الكربوهيدرات والدهون تأثيراً إيجابياً وسلبياً على التوالي لكل منها فيما يتعلق بمحتوى الدم من سكر الجلوكوز.

بيولوجيا الجهاز العصبي والسلوك أثناء الصوم
أظهرت دراسة طبية نفسية حديثة أجراها استشاري نفسي عن بيولوجيا الجهاز العصبي والسلوك أثناء الصوم أن التحكم في الشهوات وكبح الإحساس بالجوع أثناء الصيام له فوائد جمة للإنسان، منها محاربة الشعور بالاكتئاب وتحقيق التوازن النفسي، وتعديل الحوار الذاتي، وذكر صاحب الدراسة رئيس وحدة التأهيل بمستشفى الطب النفسي بالكويت الدكتور رامز طه، أن دراسته التي تحمل عنوان: "الإعجاز العلمي والنفسي في الصوم" تجيب عن الكثير من التساؤلات التي تدور في أذهان البعض حول الفائدة من الصيام والحكمة من حرمان النفس من غرائز وشهوات ورغبات حللها الله لها طوال العام.

وقال الدكتور طه: "إن حكمة الصوم وفوائده تأكدت لي من خلال دراسة أكثر من عينة عشوائية من المتطوعين وأصحاب المشكلات النفسية، وأظهرت جوانب الإعجاز العلمي والنفسي في الصوم، وفعاليته في تعديل التفكير والسلوك والتخلص من العادات غير المرغوبة وتنمية القدرة على الضبط الذاتي".

وأضاف أن فوائد الصيام التي توصل إليها من ناحية التنمية النفسية هي الضبط الذاتي الذي يلتزم به الصائم بيولوجياً ونفسياً وسلوكياً، حيث ثبت أن الصيام يمنح الإنسان تدريباً عالياً وقدرة جيدة على التحكم في المدخلات والمثيرات العصبية مع القدرة على خفض المؤثرات الحسية ومنعها من إثارة مراكز الانفعال بالمخ.

وأوضح أن هذه الحالة هي درجة من الحرمان الحسي، وقد ثبت أن تقليل المؤثرات الحسية له تأثيرات إيجابية في النشاط الذهني والقدرة على التفكير المترابط العميق والتأمل والإيحاء، كما أنه يمنح الإنسان قدرات عالية على الصفاء والحكمة والتوازن النفسي.

وأكد الدكتور طه أن تحمل ألم الجوع والصبر عليه يحسن من مستوى مادة السيروتونين، وكذلك ما يسمى "بمخدرات الألم الطبيعية" التي يقوم المخ بإفرازها، وهي مجموعتان تعرفان بمجموعة الأندورفين ومجموعة الإنكفالين، وقال إن المجموعة الأولى تتركب من 31 حمضاً أمينياً مستخلصاً من الغدة النخامية، ولهذه المواد خواص في التهدئة وتسكين الألم أقوى عشرات المرات من العقاقير المخدرة والمهدئة الصناعية، أما المجموعة الثانية فتتركب من خمسة أحماض أمينية وتوجد في نهايات الأعصاب.

وأضاف أنه لكي يستمر إفراز هذه المواد المهدئة والمسكنة والمزيلة لمشاعر الألم والاكتئاب، لابد أن يمر الإنسان بخبرات حرمان ونوع من ألم التحمل، وأن يمتنع عن تناول المواد والعقاقير التي تثير البهجة وتخدر الألم خاصة (الأفيون) ومشتقاته وبعض العقاقير المخدرة الحديثة، وبين أن الصوم يمثل تدريباً يومياً منظماً يساعد الإنسان على تغيير أفكاره واتجاهاته وسلوكه بصورة عملية تطبيقية تشمل ضبط وتنظيم المراكز العصبية المسؤولة عن تنظيم الاحتياجات البيولوجية والغرائز من طعام وجنس وأيضاً الدوائر العصبية والشبكات الترابطية الأحدث التي تشمل التخيل والتفكير وتوجيه السلوك.

وأوضح أن الصوم يساعد على حدوث تفكك نوعي في الحيل النفسية، وهي حيل وأساليب لا شعورية يلجأ إليها الفرد لتشويه ومسخ الحقيقة التي لا يريد أن يقبلها أو يواجهها بصدق، وذلك حتى يتخلص من المسؤولية ومن التوتر والقلق الناتج عن رؤية الواقع الذي يهدد أمنه النفسي واحترامه لذاته. وأوضح الباحث أنه وجد أن أغلب هذه الحيل المعوقة للنمو الإنساني تضعف خلال الصوم وأثناء جلسات العلاج النفسي، مبيناً أن هذا الانهيار للحيل الدفاعية يحدث مع الصائم العادي كلما ازداد خشوعه وصدقه، وأشار إلى أنه لوحظ ارتباط ذلك باتساع دائرة الترابط بين التفكير الواعي والعقل الباطن بما يسمى بعملية إعادة تنسيق المعلومات على مستويات المخ المختلفة، وهي تماثل إعادة برمجة العقل.

وأضاف أن الصوم يساعد أيضاً على ممارسة خلوات علاجية وتأمل ما يساعد الفرد على الخروج من دوامة الصراعات اليومية والتوتر وإهدار الطاقات النفسية والذهنية وإصدار أوامر للعقل بالتسامح والعفو، وأكد أنه يحدث أثناء الصيام تعديل مستمر للحوار الذاتي، وما يقوله الفرد لنفسه طوال اليوم من عبارات وجمل تؤثر في أفكاره وانفعالاته، حيث يمثل الصوم فرصة لغرس معان وعبارات إيجابية، مع الاستعانة بالأذكار والدعاء وممارسة العبادات بانتظام. وأوضح أن ذلك يحدث في إطار مبادئ علم النفس الحديثة حيث يتم التعلم من خلال التكرار واتباع قاعدة التعليم المتدرج والتعلم بالمشاركة الفعالة وأسلوب توزيع التعلم. وبين أن كل ذلك يأتي في إطار منظومة متكاملة تسمح بإعادة برمجة حقيقية للجهاز العصبي والسلوكي وتعديل التفكير وتغيير العادات، حيث يصبح الصوم عبادة وتأملاً، وأيضاً تعديلاً للنفس البشرية والتخلص من الانفعالات والاضطرابات النفسية وإطلاقاً لطاقات العقل.















دراسة أمريكية: الصوم قد يكون الوسيلة الأمثل للحفاظ على الصحة السليمة




وجدت دراسة جديدة في جامعة جنوب كاليفورنيا أن النظام الغذائي المعتمد على أسلوب يحاكي الصوم بالامتناع طيلة النهار عن تناول الطعام والشراب، قد يكون الأسلوب الأمثل للاحتفاظ بصحة سليمة.

وقالت صحيفة " Detroit Free Press": "لطالما حاول كثير من الناس لسنوات طويلة تجربة الوجبات الغذائية منخفضة السعرات الحرارية، على أمل درء أخطار المرض وتأخير آثار الشيخوخة. إلا أن الباحث "فالتر لونغو" من جامعة جنوب كاليفورنيا قال إن النهج الذي يقوم على الحد من البروتينات والسكريات يبدو أنه يعرقل عمليات معينة في الجسم، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى مرض السكري، وحتى السرطان، وهو أيضا طريق صعب يمكن أن يستنزف صبر وقوة المداومين عليه.

وعندما حاول لونغو والباحثون معه معرفة ما الذي يحدث إذا ما تناول الناس طعامهم بشكل طبيعي، لكن مع كل بضعة أسابيع يجري منع الطعام تماما عن الجسم، توصلوا إلى استنتاج يفيد أن خطة الصوم خلال هذه الأسابيع أظهرت نتائج أفضل بكثير من الحد يوميا من البروتينات والسكريات.

وعندما طبّق فريق لونغو تجاربهم على الفئران في منتصف العمر، بعضها كانت تتبع نظاما غذائيا أساسه الحد من البروتينات والسكريات، والبعض الآخر اتبع نظاما يعتمد على الصوم، وجد الفريق أن المجموعة الثانية عاشت لفترة أطول، واحتوى جسد هذه الفئران على نسبة أقل من الدهون، كما انخفض لديها معدل الإصابة بالسرطان، وكانت الخسارة في كثافة العظام أقل، مع العديد من الآثار الإيجابية الأخرى.

ورأى الباحثون أيضا لدى هذه الفئران"الصائمة" ازديادا في أعداد الخلايا الجذعية، مما يوحي بأن ظروف الصوم الشبيهة بالمجاعة قد قتلت الخلايا الضعيفة القديمة وسمحت للخلايا الأحدث والأكثر انتعاشا بالظهور والنمو.

وعلاوة على ذلك فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين اتبعوا نظاما غذائيا يعتمد على الصوم شهدوا انخفاضا في مستويات السكر في الدم أثناء الصيام، وانخفاضا في العوامل المرتبطة بالسرطان ومخاطر القلب والأوعية الدموية.





















الخميس، 29 أكتوبر 2015

تفسير آيات الصوم



بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير آيات الصوم

قال الله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.


قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا} للمريض أحوال: الحالة الأولى: أن لا يستطيع الصوم، فهذا يجب عليه الفطر. الحالة الثانية: أن يستطيع لكن بمشقة، فهذا يستحب له الفطر. الحالة الثالثة: أن يكون مريضا، ويصدق عليه اسم المريض، لكن لا يشق عليه الصوم، فهذا له الرخصة في الفطر للإذن بالفطر بالمرض، ولم يفرق الشرع بين مرض ومرض، كما لم يفرق بين سفر وسفر، وعلى ذلك فكل ما صح أن يطلق عليه مرض فيجوز الفطر لأجله، وهذا هو مذهب عطاء ومحمد بن سيرين والبخاري وإليه مال القرطبي صاحب التفسير.
وقوله تعالى: { أو على سفر}.. ليس للسفر مسافة محددة، وأقل ما ورد في الأثر تسميته سفرا بريد عند مسلم، والراجح أن السفر إنما يكون سفرا يصح به قصر الصلاة والفطر في رمضان بثلاثة أمور: الأول: النية، فمن خرج عن المدينة وسار لا يقصد سفرا فليس بمسافر حتى ولو قطع مئات الأميال. الثاني: أن يخرج عن البنيان حتى يباعدها. الثالث: أن يعد خروجه عن المدينة في عرف الناس سفرا، فالعرف هنا معتبر شرعا.
فإذا تحققت هذه الشروط فيجوز للمسافر أن يقصر الصلاة وأن يفطر رمضان. 
لكن متى يفطر من أراد السفر؟. اختلف العلماء في ذلك، فذهب أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري والحسن البصري إلى جواز الفطر قبل الخروج من المدينة، ولو كان في البيت، ما دام قد عزم على السفر.
وذهب الإمام أحمد إلى تأخير الفطر حتى يبرز عن البيوت ويخرج عن المدينة، وذلك أنه ربما يعرض له شيء يمنعه من السفر، فلو كان أفطر قبل أن يخرج لفسد صومه ولزمه القضاء، ومذهب الإمام أحمد أسلم، وإن كان مذهب الصحابة أولى.
ولا يقال الصوم في السفر أفضل من الفطر أو العكس هكذا بإطلاق، بل فيه تفصيل، فإن كان يشق عليه الصوم فالفطر أفضل، وإن كان لا يشق عليه فالصوم أفضل، ولا ينكر على الصائم ولا على المفطر، قال أنس:
( سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) متفق عليه.
قوله تعالى: { فعدة من أيام أخر}.. أي من مرض أو سافر فأفطر فعليه القضاء أياما أخر تعدل ما فطر، وهو مخير في وقت قضائها، فلا يجب متتابعا ولا في زمن معين، بل هو واجب موسع على التخيير يجوز مفرقا، قال ابن عباس لمن سأله عن قضاء رمضان:
"صمه كيف شئت".
والقرآن لم يحدد القضاء بزمن ولا أمر بتتابع القضاء، قالت عائشة:
"يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم " متفق عليه.
فإن أدركه رمضان الآخر ولم يقض رمضان الأول فلا يخلو إما أن يكون صحيحا أو مريضا:
فإن كان صحيحا فعليه القضاء والإطعام عن كل يوم مسكينا..
وإن كان مريضا فليس عليه إلا الإطعام كما قضى بذلك الصحابة..
روى الدارقطني عن ابن عمر فيمن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان الآخر أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة ثم ليس عليه قضاء..
وروي عن أبي هريرة أنه قال:
" إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه"إسناده صحيح.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: مرضت رمضانين؟، فقال له: استمر بك مرضك أو صححت بينهما؟، فقال: بل صححت، قال: صم رمضانين، وأطعم ستين مسكينا..
وهذا يدل على أنه لو تمادى به المرض لا قضاء عليه، وهذا مذهبه في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما..
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المريض إذا لم يقض حتى أدركه رمضان الآخر أن عليه القضاء. 
والجمهور على أن: من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته ذلك، أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه..
وأما إن مات وعليه صوم رمضان لم يقضه، فالمختار من الأقوال في القضاء عن الميت أنه لا يقضى عنه إلا النذر في الصوم، لأن الأحاديث المبيحة للنيابة في الصوم مفسرة بما كان نذرا..
وأما الفرض فلا يصوم أحد عن أحد، لأنها فريضة، والعبد إذا فعل ما بوسعه فلم يتمكن من الإتمام أو القيام بالصوم لعلة فمات فلا يؤاخذ بذلك، ولا يلزم وليه بالقيام عنه بالعبادة، لأنه لم يكن مفرطا، وهذا بخلاف الناذر، فإن الله تعالى لم يفرض عليه نذرا، لكنه هو الذي أوجب على نفسه فوجب عليه القضاء حيا بنفسه أو ميتا بوليه، يدل على ذلك تشبيه قضاء النذر بقضاء الدين، كما في حديث ابن عباس:
جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟، قال:
(أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟، قالت: نعم، فصومي عن أمك)رواه مسلم
فالدين ليس فريضة لكن العبد هو الذي يلزم نفسه به إذا استدان من أحد، فيجب عليه القضاء، ويبقى دينا في عنقه حتى بعد مماته، ولذا كان لوليه أن يقضي عنه إحسانا إليه، لأن الميت مؤاخذ به، وكذا النذر، فالناذر مؤاخذ به لأنه ألزم نفسه به، وهذا بخلاف صيام الفرض إذا مات الإنسان وعليه أيام لم يقضها وهو غير مفرط، وتخصيص قضاء الصوم بصيام النذر قول أحمد وإسحاق وأبي ثور والليث وأبي عبيد.
قوله: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}. ينحصر الكلام هنا في عود الضمير في {يطيقونه}:
إما أن يعود إلى الصيام، وإما أن يعود إلى الفدية..
فإن عاد على الصيام فالمعنى:
وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا أن يطعموا.. فيكون في الآية حذف، ويفهم من ذلك أن من لا يطيق الصوم إذا أفطر أنه لا إطعام عليه.. 
وأما إن عاد على الفدية فالمعنى: من كان يطيق الفدية فله ترك الصوم والتعوض بالفدية، وهكذا كان الأمر في أول ما شرع الصوم، كان على التخيير، من أراد صام، ومن أراد أطعم، ثم رغب في الصوم بقوله: { وأن تصوموا خير لكم}، ثم نسخ الحكم بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فزالت هذه الرخصة إلا عن العجزة كالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أن يفطرا ويطعما، هكذا قال ابن عباس، وفسر قوله: { يطيقونه}، بيطوقونه، أي يتكلفونه بمشقة، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وذهب غيره من العلماء إلى أن المرضع والحامل إذا خافتا على أولادهما أن يفطرا ويطعما ويقضيا..
ومقدار الإطعام نصف صاع من قوت البلد، عن كل يوم مسكينا.
يقول الله تعالى:
{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}. 

قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.. أي من شهد رمضان عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه، فإن أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الامساك ذلك اليوم، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي أو أسلم الكافر.
ذهب مطرف بن عبد الله وابن قتيبة إلى جواز التعويل على الحساب في صوم رمضان، وذهب الجمهور إلى منع ذلك، واستدلوا بحديث: ( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)، فعلق الصوم بالرؤية لا بالحساب، وقد كان الحساب موجودا في ذلك العهد، فإهماله وعدم الاعتداد به يدل على عدم مشروعية الاعتماد عليه، وقد روى نافع عن مالك في الإمام الذي لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر بالحساب: أنه لا يقتدى به ولا يتبع، قال ابن العربي:
" وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب، وهي عثرة "لا لعاً لها".
والبلدان تتباعد وتتقارب، والمطالع تختلف تبعا لذلك، فإن تقاربت البلدان فيجوز لأهل بلد أن يأخذوا برؤية أهل البلدان القريبة، وإن تباعدت فلكل أهل بلد رؤيتهم، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وإليه أشار البخاري حيث بوب: " لأهل كل بلد رؤيتهم"، وحكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، إلا في حالة ما إذا كان الإمام لكل تلك البلدان واحد، كما كان في عهد الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية البلاد ممتدة شرقا وغربا والبلدان متباعدة، فأمرهم أن يأخذوا برؤية أهل بلد واحد فلا تجوز مخالفته.
قوله:
{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك الحدود فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.

قوله: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}.. 

كان محرما عليهم الجماع والطعام لمن نام قبل أن يأكل في ليله حتى مغرب اليوم التالي قال البراء:
" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟، قالت: لا، ولكن أنطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية" رواه البخاري..
ونزلت: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}، والتبين هنا معناه التوثق والتأكد، وعلى ذلك فيجوز للإنسان أن يأكل ما دام يظن الليل باقيا، حتى إذا تيقن بزوغ الفجر حرم عليه..
وهناك مذهب ثان في المسألة أن الإمساك لا يجب إلا إذا انتشر الفجر في الطرقات والبيوت، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وحذيفة وطلق بن علي وعطاء والأعمش أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال..
ولعل مما يضعف هذا القول أن تبييت النية بالصيام إنما يكون قبل الفجر، ولو كان الإمساك لا يجب إلا بعد انتشار الفجر لكان القول بجواز عقد النية بالصوم بعد طلوع الفجر حريا بالقبول، ولا قائل به، والذي يبدو أن الصحابة قصدوا التيقن كذلك، ورأوا أدل دليل على طلوع الفجر وثبوته انتشار ضوئه، ومن ثم حكموا بأنه وقت الإمساك، وإلا لو تيقن الإنسان بطلوع الفجر ولو لم ير انتشاره كمثل أن يخبره صادق بذلك أو يكون في البر فيرى بياض الليل فيجب عليه الإمساك للآية:
{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.
ويجب على الصائم أن يجتنب في صومه الطعام والشراب والجماع، فهذه مفطرات، وكل له حكمه، أما مقدمات الجماع كالقبلة والمباشرة واللمس فليس فيها بأس لمن أمن على نفسه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم كما روى البخاري عن عائشة، لكن إن قبل أو لمس أو نظر فأمنى فعليه القضاء، وإن أمذى ففيه خلاف، فابن عبد البر لا يرى عليه شيء، وأحمد يرى عليه القضاء، وإن جامع فعليه عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينا..
ونهاية الصوم يكون اغروب الشمس، ولا يجوز تأخير الفطر إلى ما بعد الغروب فإن من فعل ذلك شابه اليهود، قال عليه الصلاة والسلام:
(لاتزال أمتي بخير ما لم تنتظر بفطرها النجوم).
فهذه جملة من أحكام الصوم والله أعلم وصلى الله عليه نبينا محمد..
انظر: تفسير القرطبي

منافع الصيام


منافع الصيام

الصيام فريضة عظيمة وركن من أركان الإسلام قال صلى الله عليه وسلم:((بني الإٍسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان)).
وقد فرضه الله علينا كما فرضه على من قبلنا فقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
والصيام من العبادات التي قد تشق على النفس لما فيه من ترك ملاذ النفس من طعام وشهوة وانتصار للنفس، وقد فرضه الله بصيغة الكتب التي هي من آكد صيغ الفرض والتي كثيرا تفرض بها ما فيه مشقة على النفس كالقتال والقصاص قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (فهونه بما جعل فيه من الخيرية وأوكل علم ذلك إليه)، وقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد) وهون ذلك بقوله:(ولكم في القصاص حياة) فبين حكمته وما جعل فيه من حقن الدماء ولما فرض الصيام بصيغة الكتب وهون أمره بمهونات كثيرة منها:
1ـ أنه كتبه على من قبلنا فلسنا فيه بدعا من الأمم فقال:(كما كتب على الذين من قبلكم) والأمر إذا عم هان على النفس.
2ـ أنه جعله سبيلا لتحصيل التقوى فقال:(لعلكم تتقون) ومن حصل التقوى حصل الخير كله فالتقوى: هي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى:(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) وهي التي لا يتقبل الله إلا من أهلها قال تعالى:(إنما يتقبل الله من المتقين).
ولهم أعدت الجنة وما فيها:(إن المتقين في جنات النعيم) ، (إن المتقين في جنات ونهر).
3ـ أنه جعله أياما معدودات فقال:(أياما معدودات) وهي المفسرة بشهر رمضان فهو شهر واحد من سنة كاملة لم يكتب الله عليك غيره وما كان معدوداً محصوراً يهون على النفس ألا ترى أنك لو قلت لمن تعاقبه سأجنبك شهرا كان أهون على النفس من وعيد مطلق فإن المحدد أهون على النفس من المطلق.
4ـ أنه أسقطه عن المريض حتى يبرأ وعن المسافر حتى يؤوب (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).
5ـ أنه جعل له بدلا على من شق عليه مشقة لا يترقب زوالها كالمريض مرضا مزمنا لا يرجى برؤوه والشيخ الهرم فقال:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) على من يرى أن الآية محكمة في ذلك وهناك من يرى أنها منسوخة وأن ذلك كان للتخيير قبل أن يلزم الناس بشهر رمضان.
6ـ أنه جعل فيه الخيرية المطلقة فقال:(وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون).
7ـ أنه خص بفرضه شهرا عظيما شرفه من بين الشهور بهذه العبادة واختاره بأن جعله ظرفا لنزول أشرف كتاب على أشرف رسول لخير أمة فقال:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).
وشهر هذه منزلته حق له أن يخص وأن يهون على النفس ما خص به لعظيم مكانته.
8ـ التأكيد على سقوطه عن المريض حتى يبرأ والمسافر حتى يؤوب حيث جاء ذلك مكررا في هذا النص على إيجازه (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).
9ـ بيان أن هذا التكليف وذلك التخفيف إنما هو لإرادة اليسر لنا وتحقيق الهداية التي بها سعادتنا وذكر الله الذي به اطمئناننا فقال:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم).
10ـ أنه سبيل لتحقيق شكر الله على ما أنعم به علينا من إنزال القرآن وإكمال الدين (ولعلكم تشكرون).
11ـ أنه هونه بما جعل فيه من المنافع الدنيوية والأخروية.

فمن المنافع الأخروية للصيام:ـ
1) تحقيق التقوى التي لا يعلم ثواب أصحابها إلا الله وحده فهم الذين يتقبل الله منهم:(إنما يتقبل الله من المتقين) وهم الموعودون بالجنة وما فيها من نعيم لا يعلم كنهه إلا الله:(إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) والتي قال الله عنها:(فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم في خالدون).
وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
فمن حقق التقوى نال الخير كله في الدنيا والآخرة والصوم من أهم وسائل تحقيق التقوى ولهذا قال تعالى في تعليل الأمر به:(لعلكم تتقون).
2) محو الذنوب والآثام قال صلى الله عليه وسلم:(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ومن غفرت ذنوبه ومحيت آثامه عظم أجره عند ربه ودخل جنة ربه بلا عقاب لمحو آثامه وغفران سيئاته.
3) الثواب الجزيل الذي لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى ففي الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)).
4) دخول الجنة من باب خاص بالصائمين لا يدخل منه غيرهم ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إن في الجنة بابا يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون: فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق لم يدخل منه أحد)) متفق عليه.
5) الصيام سبب للمباعدة من النار ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا)) متفق عليه.
وفي رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين)) متفق عليه.
6) الفرح بلقاء الله وثواب الصوم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه)) متفق عليه.
ولا يفرح بصومه حينئذ إلا لفرحه بعظيم ما أعد الله له من الجزاء العظيم.

وأما المنافع الدنيوية للصيام فهي منافع عظيمة ذات محاور متعددة منها :
الصحي، والنفسي، والاجتماعي، والعسكري.
أولا : المنافع الصحية : للصيام فوائد صحية العلاجية والوقائية:ـ 
ومن تلك الفوائد العظيمة التي أثبتتها الدراسات العلمية : 
1) أن الصيام من أهم سبل الوقاية من أمراض السمنة وأخطارها المترتبة عليها كالسكر وضغط الدم وبعض أنواع العقم.
2) الصيام يقي الجسم من كثير من الزيادات الضارة مثل: الحصوة، والرواسب الكلسية والزوائد اللحمية والأكياس الدهنية والأورام في بداية تكونها.
3) الصيام وقاية بإذن الله من مرض النقرس الذي تسببه زيادة التغذية والإكثار من اللحوم.
4) الصيام وقاية بإذن الله من تصلب الشرايين وانسدادها لأن الصوم ينقص مستوى الدهون في الجسم مما ينقص مستوى مادة الكولسترول وهي المادة التي تترسب بزيادة معدلاتها لتكون انسداد الشرايين وتصلبها كما تسبب تجلط الدم في شرايين القلب والمخ.
5) الصيام يقي الجسم بإذن الله من تكون حصيات الكلى إذ يرفع الصيام معدل الصوديوم في الدم فيمنع تبلور أملاح الكالسيوم المسببة للحصى.
6) الصيام يقوي جهاز المناعة فيقي الجسم بإذن الله من أمراض كثيرة ففي الصيام:
أ‌) يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف ما كانت عليه.
ب‌) وفي الصيام تزداد نسبة الخلايا المسؤولة عن المناعة.
ت‌) وفي الصيام ترتفع نسبة الأجسام المضادة للأمراض في الجسم فتنشط الردود المناعية الدفاعية.
7) الصيام يحسن مستوى الخصوبة لدى الرجال والنساء فيرتفع معدل احتمالات الإنجاب وقد قامت جامعة الملك عبدالعزيز بجدة بدراسة علمية أكدت ذلك وأثبتت أن أكثر حالات الحمل في المملكة بعد شهر رمضان.
8) الصيام يخلص الجسم ويقيه من أمراض السموم المتراكمة في خلاياه وبين أنسجته من جراء تناول الأطعمة كما يخلصه من بقايا سموم الأدوية.
9) الصيام يمكن الجهاز الهضمي من استراحة فسيولوجية مما يساعده على استعادة وتحسين أدائه.
10) الصوم يفتح الذهن ويقوي الإدراك.
11) الصيام يحسن أداء البنكرياس فقد ثبت علميا أن البنكرياس يتحسن أداؤه بمجرد عكس العادة الغذائية.
12) الصيام يهذب الغريزة الجنسية ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) ومن ثم فإنه يبعد الصائم عن الممارسات الجنسية الخاطئة وما يترتب عليها من أمراض جسدية ونفسية حتى إن عقلاء الغرب أصبحوا ينادون به للحد من جحيم الشهوة الجنسية وما جرته على مجتمعاتهم من أمراض جسدية ونفسية واجتماعية.
13) للصيام أثر في شفاء كثير من الأمراض بإذن الله فهو يفيد في علاج الأمراض الآتية:ـ
أـ الأمراض الناتجة عن السمنة كمرض تصلب الشرايين وضغط الدم وبعض أمراض السكر.
ب ـ بعض أمراض الدورة الدموية مثل مرض (الريتود).
ج ـ الصيام يساعد على شفاء مرض المفاصل (الروماتيود).
دـ الصيام يفيد في علاج قرحة المعدة وبعض حالات السكر.

• ثانيا: المنافع النفسية (الصيام والصحة النفسية):
للصيام أثر عظيم على الصحة النفسية فهو أهم عوامل الاستقرار النفسي ويتجلى ذلك فيما يلي:
1ـ أن الصيام سبيل لتحقيق التقوى التي وعد الله أهلها بالسعادة في الدارين قال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) والمخرج الموعود به هنا عام في كل ما يهمه ويؤرق مضجعه، وضمن له الرزق فقال:(ويرزقه من حيث لا يحتسب) ومن كفي رزقه وهمه فلا تسل عن عظيم سعادته، وهل يقلقنا في الدنيا إلا هموم الرزق والحياة ومتاعبها، وكل ذلك ضمنه الله لمن حقق التقوى.
وقال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) وهذا وعد آخر بتيسير الأمور كلها أمور الدنيا والآخرة وهو وعد لمن اتقى الله بأن ييسر له أمره كله، أمر عبادته وعلاقته بربه فيهبه حلاوة الإيمان ولذة العبادة وأمر أمور دنياه كلها أمر رزقه وعمله وشؤون خاصته وعامته.
وقال تعالى:(ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) وهذا وعد آخر له أثره في النفس واستقرارها وسعادتها فكم من ذنوب أقلقت صاحبها وحرمته لذة الحياة وسعادتها والأنس فيها وحجبت عنه التوفيق والتسديد فتراه مشتت الخاطر عكر المزاج قد أقلقته سيئاته وأقضت مضجعه وهذا وعد من الله لمن اتقاه بأنه يكفر عنه سيئاته وليس الوعد بالتكفير فحسب بل يعظم له أجره ويبدل سيئاته حسنات إن أحسن التوبة والرجوع إلى الله بصدق واتقى الله (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) ومن جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ويسر له أمره كله ورزقه من حيث لا يحتسب ووفقه لحسن عبادته والأنس بمناجاته فلا تسل عن سعادته وعظيم استقرار نفسه يؤكد ذلك ما قاله أحد العباد:(لو علم الملوك ما نحن فيه ـ يعني من السعادة ـ لجالدونا عليه بالسيوف).
2ـ الصيام سبيل لتخليص النفس من ثوران الشهوة ووسوستها وما يتبع ذلك من نظر يورث تعلقا محرما وربما يكون ذلك التعلق بما لا مطمع في دركه فيعود ذلك على المرء بالحسرة التي لا تفارقه أو فعل محرم يورثه الحسرة والندامة وربما الأمراض التي تورثه الشقاء الدنيوي قبل العذاب الأخروي ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)).
3ـ الصيام يقي الجسد بإذن الله من كثير من الأمراض ويشفي من كثير منها ـ كما تقدم في المحور الصحي ـ مما يعود على النفس بالراحة والسعادة الصحية وقديما قيل: العقل السليم في الجسم السليم. وقيل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
4ـ في الصيام حسن العلاقة بالله والشعور بقربه ومعيته فهو سبيل إلى تحقيق درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الإيمان قال تعالى في الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) فالصائم يمكنه أن يتوارى عن عيون الناس ويأكل ويشرب ويأتي شهوته ولكنه لا يفعل لعلمه باطلاع الله عليه وتلك مرتبة الإحسان التي عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
والشعور بمعية الله والأنس به أعلى مقامات سعادة النفس وطمأنينتها فلا تحزن لنزول مصاب لعلمها بأن الله مطلع عليه وما قدره إلا لخير يريده بها:((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)).
5ـ الصوم يهذب النفس ويكسر سورتها مما يعود عليها بالهدوء والسكينة والراحة والطمأنينة يقول أبو حامدالغزالي ـ رحمه الله ـ : الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة في جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة و يعمي القلب ويكثر الشجار فيبلد الذهن وقد اتخذته كثير من الفرق سبيلا لتهذيب النفس ولكنها ربما غالت في ذلك حتى ظلمت الجسد وللجسد حق كما للنفس حق ولكن ديننا دين الوسطية لزم الاعتدال في ذلك وأعطى كل ذي حق حقه.

• ثالثاً : المنافع الاجتماعية : (الصيام والمنافع الاجتماعية):ـ
وللصيام فوائد اجتماعية عظيمة تعود على الفرد والمجتمع بالمصالح الدنيوية والأخروية ومن تلك الفوائد والآثار الاجتماعية:ـ
1ـ أن الصيام سبيل لإيجاد الفرد الصالح:(لعلكم تتقون) وإذا وجد الفرد الصالح سعدت به الأمة وسعد هو بنفسه، فإن تقواه تقوده إلى أداء الحقوق والواجبات وتمنعه من التعدي على ما ليس له روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى قضاء المدينة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم جاء يستعفي من القضاء بعد سنة فقال له أبو بكر أردت نصرتك وتريد خذلاني أعينوني على هذا الأمر فقال عمر رضي الله عنه يا خليفة رسول الله: لم يتقاض إلي اثنان منذ أن توليت القضاء وإن أهل المدينة عرفوا ما لهم فأتوه وما ليس لهم فتركوه.
نعم إذا عرف كل ما له وما عليه ففيم الخصام والشجار والنفار؟ وما كثرت السجون وقوانين الردع وعسس الدولة وشرطها إلا حين ضعفت التقوى في القلوب وتعدى بعض الناس على ما ليس له وترك الواجب الذي عليه.
2ـ الصيام يحقق التقوى المأمور صاحبها بالإنفاق وإعانة ضعفاء المجتمع فالإنفاق صفة لا تتحقق التقوى بدونها قال تعالى:(ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) فإنفاق المرء مما رزقه الله سمة رئيسة من سمات التقوى وعلامة بارزة من علاماتها، والإنفاق هنا يعم الإنفاق من كل ما رزقه الله من مال وعلم وجاه وقوة بدنية وحرفة دنيوية.
3ـ بالصوم يعطش الغني ويجوع فيتذكر البطون الجائعة العطشى التي لم تعرف للشبع طعما ولا للري سبيلا فتحنو نفسه على الفقراء والجوعى فيبذل لهم من ماله وجهده ما يسد حاجتهم لأنه جرب ذلك وذاقه على حقيقته فلا يعرف قيمة العافية إلا من جرب الابتلاء وذاق طعم المرض والجوع والعطش والخوف بل لا تعرف حقائق هذه الأمور إلا بأضدادها ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:(ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث) فأمره بالإحسان إلى اليتيم بعد أن ذكره بيتمه ورعاية الله له في ذلك اليتم وأمره بالإحسان إلى الفقراء بعد أن ذكره بما كان فيه من العيلة وما أغناه به بعد ذلك، وأمره بالتحدث بنعمته إذ هداه للإيمان.
فلا يعرف حاجة اليتيم مثل من ذاق اليتم وعرف ما فيه من الحاجة الجسدية والنفسية وإن كانت الأخرى أهم لذلك قال تعالى:(فلا تقهر) والنهي عن القهر يعم الأمر بالإحسان المادي والمعنوي فكأنه قال له: عرفت اليتم وما فيه والعيلة وما فيها وقد أنعم الله عليك وأغناك فأحسن إلى اليتيم والفقير واجتهد في هداية الناس من الضلالة لتشكر بذلك نعمة ربك عليك، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وكان أجود الناس، ففي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
وكان أحرص الناس على هداية الناس حتى قال الله له:(لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين) وقد ورث أصحابه هذا المعنى فقال لهم صلى الله عليه وسلم:((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)).
ـ وكان رجل ممن قبلنا قد اشتد به العطش فدخل بئر فشرب منها فلما خرج إذا هو بكلب يأكل الثرى من شدة العطش فقال: لقد نزل بهذا الكلب مثل ما كان بي من العطش فدخل البئر فملأ خفه فعضه بأسنانه حتى خرج فسقى الكلب فشكر الله له ذلك فغفر له.
إن عطشه القريب الذي ذاقه ذكره بحرارة العطش فعطف على هذا الكلب فسقاه وإذا كان ذلك حال المؤمن مع البهائم فكيف بحاله مع المؤمنين من إخوانه إذا أحس حاجتهم وشدة عطشهم وجوعهم ومن هنا كان الصيام وسيلة تحسيسية للأغنياء يحسون بها حاجة الفقراء وتلك حكمة من حكمه الاجتماعية الظاهرة.
4ـ في رمضان تقوى صلة المؤمن بالقرآن لأن هذا الشهر شهر القرآن قال تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين صيامه وقيامه وقال صلى الله عليه وسلم:((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
والمسلم إذا قرأ القرآن أو سمعه وتدبر آيات الإنفاق وما أعد الله للمنفقين تحركت نفسه للإمتثال فكم من غني سمع آية حركت نفسه لإنفاق سعد به سعادة لا شقاء بعدها.
فهذا أبو طلحة رضي الله عنه يسمع قول الله عز وجل:(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) فتتحرك نفسه للإنفاق فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:((يا رسول الله: إن أحب مالي إلي بيرحاء فاجعلها حيث أراك الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذاك مال رابح اجعلها في قرابتك فتصدق بها أبو طلحة على ذوي الحاجة من أقربائه فكانت صدقة وصلة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى رابحة.
وهذا أبو الدحداح رضي الله عنه يسمع قول الله عز وجل:(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) فيقول: يا رسول الله: أيستقرضنا الله وهو الغني فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يستقرضكم ليرفع من درجاتكم فيقول: يا رسول الله إن لي بستانا قد علمت الأنصار أنه ليس في المدينة بستان مثله وقد أقرضته لله ويأتيه وزوجه وأولاده يلتقطون ما طاب ولذ من ثمره فيقف على بابه وينادي زوجه: 
بــيــنـي مــــنـه بالـــودادي فـقـــد مضى قرضا إلى التنادي
وتجيبه زوجه الصالحة القانتة المؤمنة الموقنة بوعد الله:
بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما عليه ونجح
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس على الإطلاق وكان جوده يزداد في رمضان لأثر القرآن وآياته ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).
5ـ الصيام يهذب الغريزة الجنسية ويحد من ثورتها فتقل حالات التحرش والنظر المؤذي وما يتبع ذلك من أمور لا تحمد عقباها كالخيانة وانتهاك الأعراض وأبناء الشوارع وانتشار البغضاء والكراهية مما يعود على المجتمع بآثار سيئة.
6ـ الصيام دورة في تهذيب الأخلاق فالصائم لا يشتم ولا يسب ولا يصخب ولا يكذب ولا يغتاب ولا ينم. قال صلى الله عليه وسلم:((الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم)) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
وقال صلى الله عليه وسلم:((ما صام من أفطر على لحوم الناس)) ومدة رمضان مدة كافية لاكتساب الأخلاق الحميدة والتخلص من الأخلاق الرديئة وكما يقي الصيام الجسم من بعض الأمراض ويخلصه من بعضها يقي النفس والمجتمع كذلك من بعض الأمراض ويخلصهما من بعضها.
وما تراه من لباقة استقبال المضيفين في الطيران والفنادق وبعض المؤسسات أثر لإعداد تدريبي يعد رمضان أفضل منه كل أفراد المجتمع.
7ـ الصيام دورة للتخلص من العادات الضارة كالتدخين والكذب ومشاهدة الأفلام الخليعة والعادة السرية ونحوها من المفطرات الحسية أوالمعنوية وترك الإنسان ذلك نهارا كاملا لمدة شهر كامل معين على تعود الإقلاع عنه وتركه تركا كليا.
8ـ الصيام يحقق درجة المراقبة ففي الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) نعم يراقب الصائم ربه فلا يأتي ما يفسد صومه وإن توارى عن أعين الناس لعلمه بأن الله مطلع عليه فيولد ذلك لديه الشعور بمراقبة الله في كل أمر فيأتي الذي هو له ويترك ما ليس له ولو تحققت درجة المراقبة في المجتمع المسلم لأغلقت السجون وسرحت لجان المراقبة والتفتيش لأن كل إنسان يشعر بمراقبة الله فلا يخون مسؤول مسؤوليته ولا يقصر في واجبه لعلمه باطلاع الله عليه وإن استطاع أن يفلت من مراقبة الناس.
كان عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة فسمع امرأة تقول لابنتها قومي فاخلطي اللبن بالماء فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن ذلك فردت الأم: وأين عمر إنه لا يرانا قومي فاخلطي اللبن بالماء فردت الفتاة الصالحة يا أماه إذا كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا وامتنعت من ذلك فخطبها عمر لابنه عاصم فكانت تلك الفتاة جدة لعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا).
وكان عمر رضي الله عنه يعس ذات ليلة فسمع امرأة تترنم فاقترب منها فإذا هي تنشد:

تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورا وطورا كأنما بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
فوالله لولا الله لا رب غيره لحرك من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يعدني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

فنظر عمر فإذا هي امرأة مغيبة قد غاب عنها زوجها في الجيش فأمر ألا يغيب الجندي عن زوجته أكثر من أربعة أشهر.
وخرج شاب بفتاة يراودها عن نفسها وكانت تتعلل له بمشاهدة الناس لهم فنجح في أن يخرجها إلى فضاء لا أنيس به وقال لها: ها نحن في مكان لا يرانا إلا الكواكب فردت عليه: ويحك وأين مكوكبها فصاح الفتى وأقلع وكان من عباد المسلمين.
نعم إنها المراقبة لله الحارس الأمين حين يتطاول الليل ويسود جانبه ويأمن الإنسان رقيب الناس وحين ينام الأمير ويغيب حرسه وحين يغيب البعل وتطول غيبته وحين تثور الشهوة وتتاح الفرصة وهل اغتصبت الحقوق وضيعت الأمانة إلا حين ضعف وازع المراقبة في نفوس الناس.
9ـ الصيام سبب لتحقيق التقوى ومحو الآثام والذنوب قال تعالى:(لعلكم تتقون) وقال صلى الله عليه وسلم:((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) وإذا تحققت التقوى وغفرت الذنوب والآثام حلت البركات وتحقق الرخاء الاقتصادي والسعادة به قال تعالى:(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) ففي الآية أن المفتوح بركات والمال ما لم يبارك فيه لا تحصل به السعادة بل قد يكون مصدر تعب وشقاء قال تعالى عن المنافقين:(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) فحين تحجب البركة عن المال والولد يكون مصدر عذاب في الدنيا، وهذا المفتوح المعبر عنه بالبركات جاء بصيغة الجمع وتعدد الجهات المفتوح منها. (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).
ومن المعلوم أن أقوى الاقتصاديات العالمية الاقتصاد المتعدد المصادر الذي كل ما كسد مصدر من مصادره ارتفع الآخر أو لم يتأثر ألا ترى أن النفط إذا كان مصدرا وحيدا لبلد ما تأثر إقتصاده بهبوط أسعاره على أن البركة هي الأساس في السعادة بالمال ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:((اللهم بارك لنا فيما رزقتنا)) ويدعو بالبركة لأصحابه في أموالهم وأهليهم ليحققوا السعادة بذلك.

• رابعاً : منافع الصيام العسكرية (الصيام والقوة العسكرية):ـ
الصيام مدرسة لإعداد الأمة إعدادا عسكريا فكأنه التجنيد الإجباري على كل أفراد الأمة ممن يطيق ذلك رجلا كان أو امرأة ففي الصيام يتعود أفراد الأمة على الظروف غير العادية من نقص المؤن فيتعودون الجوع والعطش في الظروف العادية ليتحملوا ذلك في الظروف غير العادية وإنك لترى الجيوش تعود أفرادها على الجوع والعطش وأكل الحشرات والزواحف وأوراق الشجر لا عن نقص في المؤن ولكن إعدادا لظروف ربما يتعرض لها الجندي في ساحات النزال ومواقع القتال.
والعلاقة بين الصيام والجهاد والإعداد العسكري علاقة وطيدة فقد فرضا في سنة واحدة وفرضا في كتاب الله بصيغة واحدة قال:(كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) وفرض الله شهر رمضان وفيه كانت معارك الإسلام الفاصلة ففيه كان يوم بدر يوم الفرقان، وفتح مكة، ومعركة حطين، وعين جالوت، وغيرها من معارك الإٍسلام الفاصلة.
وقد وطد النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلاقة بإشارة واضحة جلية عندما قال:((خير الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى))ٍ.
نعم إن الصيام مقدمة الثبات في المعارك ومواقع النزال ومعترك الحياة وشؤونها لأنه إعلان لانتصار النفس على شهواتها وذلك الانتصار على النفس هو المقدمة الكبرى للانتصار في مواقع النزال والقتال وميادين صراع الحياة وجهادها لا ينتصر هناك من لم ينتصر هنا.

ومن الجوانب الإعدادية في مدرسة الصيام : 
1- أن الصيام وسيلة للوقاية من كثير من الأمراض وسبب للشفاء من كثير منها بإذن الله فيحقق بذلك للمسلم اللياقة البدنية والصحة النفسية ، والصحة البدنية والتوازن النفسي من أهم ما يحتاجه المسلم في ميدان جهاده في معترك الحياة وساحات الوغى ؛ لذا الدول تسعى للرفع من لياقة حراس أمنها والحامين لأرضها ، والمسلم هو الجندي الذي يحمي الديار ويذود عن الدين والأوطان والقيم الرفيعة رجلا كان أو امرأة والصيام يعده لذلك إعدادا بدنيا ونفسيا وروحيا لن ترى له مثيلا في طرق الإعداد وسبلها المختلفة.
وقد أشار النبي صلى عليه وسلم إلى هذه العلاقةعندما قال : (( من خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار لها ....)) ، فالتعبير ب\"طار لها \" موح بخفة في الجسم ولياقة تناسب هذا اللفظ ودلالته. 
2- وفي رمضان تقوى علاقة المسلم بالقرآن-( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)- فيتأمل آيات الجهاد بكل أنواعه وما أعد الله لأهله فيسهل عليه من ذلك ما صعب لما يرجو من عظيم الأجر عند الله سبحانه وتعالى، ويسمع من آيات القرآن ما يربط على فؤاده ويكسبه الشجاعة التي لا يهزم صاحبها فالموت مقدر لا محالة –( كل نفس ذائقة الموت )- ولا يؤخره قعود في قصر مشيد ولا تعجله ساحات القتال والنزال : (( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة )) ، ومن كتب عليه مصرع صرع فيه لا محالة : (( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم )) ، فعلام الخوف والجبن والنكوص؟؟!
3- وفي رمضان تقوى درجة التقوى ومنزلة المراقبة في حس المؤمن : (( يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) ، والصوم لا يكون إلا لله لأنه من العبادات التي لا يكاد يراءى بها ولهذا أعظم الأجر لصاحبه فقال في الحديث القدسي : (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ))، ومن قوى لديه جانب التقوى وعظمت منزلة المراقبة في ضميره كان الحارس الأمين للدين والأوطان ولن يؤتى المسلمون من قبله ، قد يجد غرة ينجو بها وعذرا يتخلص به لدى كبير من الكبراء لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الله مطلع عليه فلا يرتكب ما يوجب اعتذارا وإن فر جبان مدعيا أنه متحرف لقتال أو متحيز لفئة ثبت هو كالطود ولم يتزحزح إلا إذا كان متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئه صدقا لعلمه بأن التولي كبيرة قال تعالى : (( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئه فقد باء بغض من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )) وهو إنما خرج ابتغاء مرضاة لا تعرضا لغضبه وطمعا في جنته لا تعرضا لما يوجب سخطه وعذابه.
إلى غير ذلك من الفوائد التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذه العبادة العظيمة وغيرها من العبادات التي لم يأمر الله بها إلا لمصالح ينالها المأمور بها في الدنيا والآخرة، ومن هنا يدرك المؤمن قيمة الامتنان عليه بالهداية والأمر والنهي فلم يؤمر إلا بما ينفعه في الدنيا والآخرة ولم ينه إلا عما يضره في الدنيا والآخرة علم ذلك من علمه وجهله من جهله. 
وهكذا يكون رمضان بهذا المعنى مدرسة إعداد للأمة في كل مجالات الحياة فاللهم لك الحمد على أن شرعت لنا هذا الدين الذي جمعت لنا فيه بين خيري الدنيا والآخرة وجعلتنا به خير أمة أخرجت للناس والحمد لله الذي هدانا للإيمان :(يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) فاللهم لك الحمد والمنة على ما أنعمت علينا به من اتباع هذا الدين وهدايتنا للإسلام وجعلنا من أمة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين