الخميس، 15 أكتوبر 2015

الصوم والفوائد


أجمع خبراء طبيون متخصصون في علوم التغذيةأن للصيام فوائد علاجية كثيرة. وكان ذلك منذ ماقبل الميلاد، وعلى مدى العصور، التي سبقتبزوغ فجر الاسلام والقرون التي تلته. وقداستخدم الصيام في شكل يختلف قليلا عنفريضة الصيام في الاسلام. حيث يمتنع الصائمعن الطعام والشراب، كأسلوب طبي علاجيبوسائل شتى.. ومن قرن إلى قرن، ظل الصومطريقة علاجية تتناقله الأجيال الطبية، منذ ولدالطب مع الحكمة.

فقد اكتشف عالم التغذية الأميركي "وايلر"، بعدقرون مما بشر به الاسلام عن فوائد الصيام، أنالصيام يحدث تجديدا لعشرة في المئة من خلاياالجسم، في العشر الأول من رمضان، وخلال الأيامالعشرة التالية يحدث تجديدا بنسبة 66 في المئةمن خلايا الجسم. أما العشرة الثالثة فيحدثتجديدا لجميع خلايا الجسم.

وأثبت كذلك، أن التركيز يكون في أعلى حالاتهخلال نهار رمضان، وتزيد المناعة عشرة أضعافالمناعة العادية للإنسان. واكتشف "وايلر" كذلكأن هناك حالات مرضية كان يعتقد أنها تتأثر سلباًبالصوم، مثل آلام الكليتين وتكوين الحصيات، لكنعلى العكس، تم اكتشاف أن صوم رمضان يساعدفي تركيز املاح الصوديوم في الكلى. وهذهالاملاح تذيب الحصوات التي تتكون في الكلى،خصوصاً اذا ما تم تناول كميات كافية منالسوائل.

فوائد الصوم الطبي

ونظراً للفوائد العديدة، التي يحققها الصوم،فقد أوجد الأطباء ما أطلقوا عليه "العلاج بالصومالطبي"، وهو احدى طرق الطب البديل الحديثة،ويقوم على الماء والعسل والفيتامينات والاملاحالمعدنية.

وكان الصوم بالماء عرف منذ القدم.. ففي مرجعطب التبت الكبير "تشجودشي" في القرنالسادس قبل الميلاد، خصص فصل كامل تحتعنوان "العلاج بالطعام والعلاج بالصوم".

وفي مصر القديمة، وبشهادة هيرودت، وهومؤرخ اغريقي (450 قبل الميلاد) تبين أنالمصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة ايام منكل شهر.. كما أنهم نجحوا في علاج مرضالزهري بالصوم الطويل. ولاحظ هيرودت أنهمكانوا أيامها، وربما بسبب هذا الصوم، أحد أكثرالشعوب صحة. وفي اليونان القديمة، صامالفيلسوف ابيقور (القرن السادس قبل الميلاد)اربعين يوماً قبل أن يؤدي الامتحان الكبير فيجامعة الاسكندرية لشحذ قواه العقلية وطاقةالابداع عنده.

أما سقراط (470-399 قبل الميلاد) فكان يصفللمرضى في أحرج المراحل أن يصوموا وكان يقولعن عمل الصوم: "كل إنسان منا في داخله طبيبوما علينا إلا أن نساعده حتى يؤدي عمله".

ثم جاء الروماني "جالينوس" في القرن الثانيالميلادي، وأوصى بالصوم كعلاج لكل أعراض"الروح السالبة"، ويعني بذلك حالات الحزن وفقدالحب وفرط التوتر.

ثم انتقل الامر إلى الشيخ الرئيس أبو علي ابنسينا (780-1037 م) الذي لم يتنازل عن الصومكدواء، بل كان مفضلا لديه، وكان يصفه للغنيوالفقير ويعالج به الزهري والجدري وأمراضالجلد.

وتطول القائمة حتى تبلغ عصرنا الحاضر.

ففي اميركا كان "هنريك تانر" وكتابه "الصومأكسير الحياة"، ثم "آبتون سنكلير" المدافع الصلبعن العلاج بالصوم (وكلاهما بلغ من العمر تسعينعاماً).

وحتى الآن ما زال في ساحة العلاج بالصومأسماء كثيرة: منها بوشنجر الألماني وآلان كوتالأميركي وشيلتون الإنجليزي، والبطل العالميللملاكمة في الوزن الثقيل محمد علي كلاي الذيكان يشكو من داء باركنسون وزيادة الوزن وخلالصومه مدة ثلاثة أسابيع تحسن أكثر من 60%. ولوكانت ظروفه تسمح لمتابعة الصيام إلى أربعينيوما لكان التحسن أكثر من ذلك.

وقد أكد العالم الفرنسي "بلزاك" -وكان أشهرعلماء عصره- اهتمامه بالصوم العلاجي، فقد كانيرى أن يوماً واحداً يصومه الإنسان أفضل منتعاطي ما يشير به الأطباء من الدواء.

وكثيراً ما أشاد العالم "سينكا" بالأطباء القدامىالذين كانوا يشيرون على مرضاهم بالصيام؛ بل إن"كوبنلوس" الطبيب الإغريقي كتب في السنةالعاشرة الميلادية معللاً ما لوحظ من أن الشفاءأسرع إلى المرضى الأرقاء منه إلى المرضىالأحرار، يقول: "إن هذا يرجع إلى أن الأرقاء أكثردقة في اتباع نظام الصوم العلاجي".

وقد تبين علمياً أنه في حال انقطاع الإمدادبالطعام من الخارج ينتقل الجسم إلى تغذيةنفسه من المخزون الداخلي في أنسجته المختلفةباستثناء القلب والجهاز العصبي.

وقد قدر العلماء أن الاحتياطي الذي يمكنالاعتماد عليه داخل الجسم يصل إلى 40-45%دون خطر يذكر. فكريات الدم الحمراء تنقص فيالبداية ولمدة أسبوعين، ثم تبدأ الكريات الجديدةالشابة في الظهور والتكاثر. ومع انهيار الخلاياالشائخة وتحطمها يحدث ميل خفيف إلىالحموضة، لكن "احمضاض" الدم لا يحدث أبدا ولاتتغير العظام لكن نخاع العظام، ينكمش قليلا،نظرا لوفرة ما يحتويه من مواد غذائية مدخرةيساهم بها في عملية التغذية الداخلية.

وفي الصوم الطبي، يبقى وزن الكليتين ثابتاًتقريباً. أما الكبد فإن وزنه ينقص، لكن هذاالنقص يكون على حساب المدخر من الماءوالجليكوجين (السكر المختزن) دون المساسبتركيب الخلايا أو عددها.

وبينما يمكن أن ينقص وزن العضلات بنحو 40%،فإن عضلة القلب لا تخسر أكثر من 3%، وفيالحالتين يعود النقص إلى انكماش الخلايا وليسإلى نقصان عددها.

ومن الجدير بالذكر أن القلب يرتاح كثيرا عندالصوم، إذ تنخفض ضرباته إلى 60 ضربة فيالدقيقة وهذا يعني أنه يوفر مجهوداً يعادل28800 دقة كل 24 ساعة.

والقاعدة أن الجسم يعطي من مخزون الموادالعضوية، ثم غير العضوية، أي أنه يعطي أولا منالسكريات، ثم الدسم وبعض البروتين، لكنه لايفرط بسهولة في المعادن وما يشابهها.فالحديد المتخلف عن حطام الكريات الحمراءالقديمة يتم تجميعه وتخزينه في الكبد منجديد، ليؤخذ منه عند الحاجة. لهذا لا يحدث فقرالدم المتسبب عن نقص الحديد في أثناء الصوم.وبشكل عام فإن الانتقال إلى التغذية الداخليةيضمن نوعا من التوازن الغذائي المحكم فيحدود ما هو مطلوب حيويا. وحسب هذا لا تحدثأبدا أي من أعراض سوء التغذية التي تلاحظ فيالمجاعات، بل حتى في بعض حالات الوفرة عندزيادة السكريات على حساب البروتينات على سبيلالمثال.

ويؤكد الطبيب "هيلموت لوتزينر" من مدينة"أوبرلينجين" الألمانية أن الصيام يفيد الروحوالجسد ويتجاوز كونه "نظاما للحمية" فقط.

وأضاف "لوتزينر" أن من المهم تجنب التوتراتوالإجهاد وتحقيق الهدوء النفسي قبل بدءالصوم، مشيرا إلى أن الصيام لن يكون مفيداعلى المدى الطويل إلا إذا كان بداية لتغيير فيأسلوب الحياة.

ومن جهته، أوضح "ماريون نوتيغ" المتخصص فيعلوم التغذية في العيادة الخاصة بالصيام فيمنطقة سولس فارمسدورف المطلة على بحرالبلطيق، أنه "يمكن لأي شخص أن يصوم منحيث المبدأ ما عدا المرضى والأطفال والسيداتالحوامل والأمهات المرضعات".

وينصح "نوتيغ" بالصوم تدريجيا بتناول وجباتخفيفة في اليوم الأول وفقا لطريقة "بوشنجر"التي طورها الدكتور "أوتو تشنجر"، وهو ألمانيأسس عيادات متخصصة في الصيام تحمل اسمهبأوروبا.

وقال "لوتزينر" إن الجسم يستعد ببطء للأيامالتالية التي يتم خلالها استهلاك عشر السعراتالحرارية التي تم امتصاصها.

أنواع الصوم الطبي

وكما نلاحظ، فان الصيام العلاجي يختلف عنصيام العبادة. وفيه يعطى الجسم فرصة لالتقاطأنفاسه، إن صح التعبير، حيث تستهلك عمليةالهضم 30% من طاقة الجسم. وبالصيام توجههذه الطاقة لنواح أخرى أهمها العلاج.

وهناك أنواع مختلفة من الصيام الذي يصفهالأطباء الطبيعيون. فمنه ما يقتصر طعام الصائمفي أثنائه على الماء، ومنه ما يقتصر على الماءوعصير الفواكه، ومنه ما يسمح بالحساء أيضاً.كما أن منه ما يتم عمله بتبادل مع الأكلالخفيف.

وهناك العديد من الأنظمة الغذائية العلاجية تبدأبفترة صيام قصير، قد لا تزيد على يوم واحديقتصر فيه الصائم على الماء من أجل تنظيفالجسم من السموم أثناء الصيام، لأنّ الجسميوجه الطاقة التي يصرفها عادة على عمليةالهضم، إلى عملية الشفاء أولا. ولعدم وجودالمواد الغذائية التي تلقى إليه يومياً عادة ممايزيد من العبء المسبب أصلا للمرض ثانياً، ولأنّالإنسان، والجسم تبعاً لذلك، يعيش جواً نفسياًأحسن ثالثاً.

وهذا العامل النفسي مفهوم تماماً، أو هكذايفترض، لكل من جرب الصيام، وخصوصاً عندمايكون عبادياً. وهذا لا يعني بأن العامل الثالث لايتحقق إلا إذا آمنت بالصيام العبادي، وإنما يعنيأن الصائم تعبدا يكون، كتحصيل حاصل، في أجواءروحانية أعلى من المعتاد، فلا يلتفت إلى أن مردذلك هو، جزئيا، بفعل الصيام. ولكن الحقيقة هيأن الصيام بحد ذاته رافع لروحانية الصائم لرفعههذا الحمل المادي، وهو الطعام، من كيانه.ولهذا شرع الصيام في كل الأديان.

أما شدة الصيام ومدته فتعتمد على عوامل عدةأهمها الحالة المرضية نفسها، ومدى تحملالمريض للصيام، وطبيعة النظام العلاجي فيذلك المصح والمستشفى. فإذا كان المريض بديناًوصحته العامة ليست سيئة كثيراً استطاع المعالجأن يضعه في صيام طويل وقاسٍ لإزالة أوتخفيف المرض أولا، ولتقليل وزنه الذي هو فيالحقيقة عبء على الجسم ثانياً. واعلم أن الإنسانيستطيع تحمل الامتناع عن الطعام لمدة طويلةلوجود مخزون كبير في جسمه يغذي جسمه"داخليا"، وخوف الإنسان من أنه سيموت جوعاً فيالصيام الطويل لا صحة له ولا مبرر له.

كما أنه من الممكن اتباع الصيام العلاجي فيالبيت بشرط ألا يزيد على أيام معدودة، وأن يكونالجسم لائقاً لذلك، وأن يعرف المريض ماذايتناول أثناء الصيام. بل إن ذلك ضروري لكلالناس، مرضى وأصحاء، لتجديد حيوية الجسمبإعطائه عطلة ولو لأيام معدودة. وقد ترجم كتابيبحث في الصيام عموما، وفيه نظام صيام صحيلمدة أسبوع واحد، واسم الكتاب "أسرار الصيامالناجح" تأليف الطبيب الألماني "لتسنر".

حالات الصوم الطبي

يستعمل الصوم طبيا في علاج حالات كثيرة،والوقاية في حالات أخرى كثيرة أيضاً، فهو لهدور في:

علاج اضطرابات الأمعاء المزمنة، والمصحوبةبتخمر.

علاج زيادة الوزن الناشئة من كثرة الطعام.

علاج أمراض الكلى الملتهبة والحادة والمزمنةعلاجاً شافياً.

علاج أمراض القلب، كما يقي من مرض البولالسكري.

علاج أمراض زيادة الحساسية، وأمراض البشرةالدهنية.

وتقوم مصحات كثيرة بالعلاج بالصوم، وعملهاتخليص الجسم من نفايات الغذاء، ودسمه،وكثرته، وكذلك من السموم الناتجة عن التخمراتالغذائية، وبقاء فضلاتها في الجسم.

ويعتبر الصوم راحة إجبارية لمختلف أجهزةالهضم، التي هي في مقدمة ما يُصاب منالجسم بالأمراض.

ولعل أشهر المصحات هي المصحة التي تحملاسم الدكتور "هيزيج لاهان"، في درسونبسكسونيا، ويقوم العلاج فيها كاملاً علىالصوم.

ويقول الدكتور أليكسيس كاريل: "إن الأديان كافةتدعو الناس إلى وجوب الصوم؛ إذ يحدث أول الأمرشعور بالجوع، ويحدث أحياناً التهيج العصبي، ثميعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنه يحدث إلىجانب ذلك ظواهر خفية، أهم بكثير منه، فإن سكرالكبد سيتحرك، ويتحرك معه الدهن المخزون تحتالجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد،وتضحّي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة، للإبقاءعلى كمال الوسط الداخلي، وسلامة القلب، عداأن الصوم ينظف أنسجتنا

0 comments: